سميح عاطف الزين

322

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ويشاء اللّه تعالى أن تأتي الاستجابة الأولى ، من خارج مكة ، من قبيلة بني غفار . وذلك أن أحد أصدقاء أبي ذر قد عرّج لزيارته ، وهو في طريق عودته من مكة ، فاستقبله أبو ذر كعادته في استقبال زائريه على الرحب والسعة ، وأنزله منزلة الضيف العزيز المكرم . وكان من الطبيعي أن يتطرق الحديث بينهما إلى مجريات الأمور في مكة ، وما يشاع من أخبارها عن رجل من أهلها يقول بأنه يخاطب من السماء ، فانبرى الزائر يخبر مضيفه عن كل ما عرفه أثناء إقامته هناك ، وكيف أن قريشا في حيرة من الأمر الذي يدعو إليه محمد بن عبد اللّه ، بين معرض ومعاد ، - وخاصة الزعماء والأسياد - وبين مؤيد ومقبل - وخاصة الموالي والمستضعفين - . ولم تكن غاية أبي ذر مجرد سماع أخبار أم القرى ، بل إن في نفسه دوافع تلحّ عليه لاستجلاء الحقيقة والوقوف عليها . ذلك أن مشاعره قد تغيرت تجاه الأصنام ، وتجاه مناة بالذات ، أي ذلك الصنم الذي يقوم أبناء غفار على عبادته منذ أكثر من ثلاث سنوات . وكان السبب في ذلك عندما وضع أمام مناة وعاء مملوءا لبنا ، على عادتهم في تكريم معبودهم ، فجاء ثعلب يهجم على اللبن ويأكله ، ويصادف أن يبوّل على كعب هذا الصنم ، ثم يذهب شبعا هانئا وأبو ذر يرقب وهو مشدوه . . وبصورة عفوية وخلال لحظات من التأمل ، تبدّلت أفكاره ومشاعره ، وكأنما صحا من الغفلة التي كانت تغشى بصيرته ، ليرى بأن مناة ما هي إلّا عبارة عن صخرة جامدة ، صمّاء ، لا حياة فيها ، فهل يعقل أن يتخذها الناس إلها ، يعبدونه ؟ وما نفع هذا الإله ، بل وما قيمته ، وهو لا يقدر على شيء حتى ولو كان دفع حيوان ضعيف عن امتهان كرامته ؟